لوبلوغ: إميل نخلة: عام آخر من القمع الشديد في البحرين

إميل نخلة - موقع لوبلوغ - 2018-02-07 - 3:13 م

ترجمة مرآة البحرين

العام الماضي في البحرين، تمامًا كالأعوام التي سبقته منذ الانتفاضات الشّعبية في العام 2011، كان عامًا من الاضطهاد والقمع المستمر ضد نشطاء حقوق الإنسان في البحرين.  ومع ذلك، فإنّ إدارة ترامب والحكومة البريطانية، اللتين يمكن القول إنّهما من أكثر الدول تأثيرًا في البحرين، بقيتا صامتتين أمام الفظائع التي ارتكبها آل خليفة ضد نشطاء حقوق الإنسان، خصوصًا داخل الغالبية الشّيعية.

عندما يتعلق الأمر بالبحرين، والسّعودية ومصر وغيرهما من المنتهكين المتعددين للحريات الأساسية وحقوق الإنسان، فقد سمحت الحكومتان الأميركية والبريطانية بصفقات مبيعات الأسلحة والصفقات المالية المربحة التي تفيدان منها في الخداع بشأن التزاماتهما التقليدية بمبادئ العدالة والديمقراطية والحرية والمعارضة السّلمية. ويبدو أنهما تريان أنّ البحرين وجاراتها السّنية الأوتوقراطية  "مدرة للمال" وتمتلك مصدرًا له لا ينتهي أبدًا. وتتعرض واشنطن ولندن لضغوط مستمرة من قبل جحافل من جماعات الضغط والمستشارين -من دبلوماسيين متقاعدين ومستشارين وكبار القادة العسكريين وبعض الأكاديميين -الذين يمارسون الأعمال مع الأوتوقراطيين والحكام القبليين لاتخاذ موقف متساهل تجاه هذه الأنظمة القمعية.

لطالما حمت أميركا وبريطانيا بشكل تقليدي حريات شعوبهما في التعبير والتجمع والاحتجاج السّلمي، غير [أنهما لم تحميا] حريات المحتجين السّلميين في البحرين وغيرها. لقد عانى نشطاء حقوق الإنسان في البحرين بشكل قاسٍ من قمع الحكومة، ومع ذلك تواصل واشنطن ولندن معاملة النّظام البحريني بأسلوب لطيف.

وقد أعرب لي مواطن بحريني حظي بتعليمه في أميركا، في محادثة معه مؤخرًا، عن شكوكه بشأن فعالية مقالاتي المتعددة التي تدين انتهاكات حقوق الإنسان في بلاده. وقال [لي] "إنك تواصل الكتابة، ومع ذلك، فإن حكومتك قد أعطت النّظام البحريني الضّوء الأخضر لمواصلة تعذيب المعارضين السّلميين من دون خوف من اللوم أو الانتقام من واشنطن".

وقد أكّد أيضًا أنّه، منذ مجيء إدارة ترامب، الرّجال الأقوياء في البحرين ومصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة وآخرون مقتنعون الآن أنّ حقوق الإنسان ليست شرطًا لاستمرار المبيعات أو المساعدة العسكرية الأميركية إليهم. وأضاف أنّ "آل خليفة أحرار أساسًا في فعل ما يريدون فعله بشعبهم من دون أي مساءلة دولية، على الرّغم من التزام دولتنا بحقوق الإنسان وقيم الحكم الجيد".

وفي التّعامل مع الدّول غير الأوروبية، هل توصل صانعو السّياسة الأميركيون منذ أوائل العام 2017 لرؤية حقوق الإنسان كأداة غير مناسبة للسّياسة الخارجية؟ في غياب أي إغاثة من القمع الشّديد من قبل النّظام، سألني المواطن البحريني ما إذا كان الرّأي الأميركي الجديد يصبح انتقائيًا في تطبيقه مع تمييز الرّئيس ترامب بين الدّول الأوروبية مثل النّروج والدّول "القذرة"، غير الأوروبية وغير البيضاء. وافترض أن بلاده في الفئة الثانية. وعلى نحو شبه حزين، لمّح [لي] بأنّ مقالاتي والكتابات ذات القيمة المشابهة هي ممارسات لا جدوى لها.

وفي أعقاب محاضرة عامة ألقيتها منذ بضعة أيام، أتى إليّ صديق أميركي وسألني: "لماذا يتوجب علينا القلق بشأن حقوق الإنسان في الدول الأخرى، ولماذا لا نتركهم يفعلون ما يريدون بشعوبهم طالما أنّنا نحصل على ما نريد لحماية مصلحتنا الاقتصادية والعسكرية؟"

منذ عهد كارتر، استخدم الدبلوماسيون الأميركيون التقرير السّنوي لحقوق الإنسان، الصّادر عن الخارجية الأميركية، الذي يغطي ممارسات الدول الأخرى في مجالب حقوق الإنسان، لتحفيز عدد من هذه الدّول على معاملة شعوبها بعدل ومساواة، ومساءلتها [الدول] في حال لم تقم بذلك. وقد علقت الولايات المتحدة أو أوقفت غالبًا المساعدات العسكرية لدولة معينة بسبب سجلها السّيء في مجال حقوق الإنسان.

هذا ما فعله الرّئيس باراك أوباما مع البحرين عندما ربط بين مبيعات طائرات مقاتلة وبين تحسن ممارسات النّظام في مجال حقوق الإنسان. وعندما تسلم دونالد ترامب الرّئاسة، أُفيد أنه قال للنّظام البحريني بأن لا يقلق بشأن شروط حقوق الإنسان ويواصل التجارة كالمعتاد. وقد حصل البحرينيون بالطّبع على طائراتهم.

2017 وحقوق الإنسان في البحرين

تقرير منظمة العفو الدولية عن حقوق الإنسان في البحرين في العام 2017 يخلص إلى استنتاجين مهمين. يؤكّد [التقرير] أنّ "فشل بريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما من الدول التي تمتلك نفوذًا على البحرين في انتقادها [البحرين] وجهًا لوجه بشأن التدهور الكارثي في وضع حقوق الإنسان في البلاد خلال العام الماضي" أدى فعليًا إلى دعم الحكومة [البحرينية] في تكثيف سعيها إلى إسكات الأصوات المعارضة القليلة الباقية.

ثانيًا، ورد في التقرير أنّ "غالبية النّقاد السّلميين، سواء كانوا نشطاء سياسيين أو مدافعين عن حقوق الإنسان، يشعرون الآن أنّ مخاطر التّعبير عن آرائهم أصبحت عالية جدًا في البحرين".

وفي تقريرها عن حقوق الإنسان في العالم في العام 2018، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنّ البحرين واصلت العام الماضي "تدهورها الحاد في مجال حقوق الإنسان". وقالت سارة ليا واتسون، وهي مديرة شؤون الشّرق الأوسط في المنظمة، إنّ "تسامح البحرين مع المعارضة يقترب من نقطة التّلاشي، ماحيًا أي تقدم كانت قد حققته لتحقيق الإصلاحات في أعقاب الانتفاضة في العام 2011".

في يناير / كانون الثاني، أعدم النّظام البحريني ثلاثة شباب شيعة. وفي مايو / أيار، أغلق النّظام جمعية العمل الديمقراطي الوطني، العلمانية الليبرالية (وعد) على خلفية احتجاجها على إعدامات يناير / كانون الثاني. وفي يونيو / حزيران، أغلقت الحكومة الوسط، وهي الصّحيفة الوحيدة المستقلة في البلاد.

في سبتمبر / أيلول 2017، فرضت الحكومة حظرًا فعليًا على سفر 20 ناشطًا في مجال حقوق الإنسان، الأمر الذي منعهم [النّشطاء] من حضور اجتماعات حقوق الإنسان في أوروبا. وفي يوم الميلاد في العام 2017، حكمت محاكم النّظام، في أعقاب محاكمات صورية، على 14 ناشطًا بالإعدام. وفي العام الماضي، بدأت الحكومة باستهداف عوائل وأقارب النّشطاء. وتضمنت أهداف الإجراءات القمعية للنّظام "مدافعين عن حقوق الإنسان، ومحامين وصحافيين ونشطاء سياسيين، ورجال دين شيعة ومحتجين سلميين"، وفقًا لمنظمة العفو الدولية.

وبحسب تقرير هيومن رايتس ووتش، في العام 2017، أسقطت الحكومة جنسية 156 بحرينيًا، وجعلتهم عديمي الجنسية. ويوم الأربعاء 31 يناير / كانون الثاني 2018، أفادت منظمة العفو الدّولية أنّ الحكومة البحرينية طردت أربعة بحرينيين أُسقِطَت جنسياتهم إلى العراق قبل يومين. وقد قيل لبحرينيين آخرين أُسقِطَت جنسياتهم إنّه سيتم ترحيلهم هذا الشهر.

ووفقًا لفيليب لوثر، وهو مدير البحوث وكسب التأييد للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، "لقد تمكنت حكومة البحرين، باستخدام شتى أنواع القمع، بما في ذلك المضايقة والاحتجاز التعسفي والتعذيب، من سحق المجتمع المدني، الذي كان من قبل نشيطًا ومزدهرًا، حتى أصبح الآن مجرد أصوات قليلة منفردة لديها من الشجاعة  ما يكفي للمجاهرة بآرائها". وخلال رحلاتي إلى البحرين منذ السّبعينيات، رأيت مجتمعًا مدنيًا نابضًا بالحياة في البحرين، وقد تم تدميره  من قبل النّظام في العقد الماضي، وخصوصًا منذ انتفاضة فبراير / شباط 2011.

الشعور بالدّعم [لدى الحكومة البحرينية] من قبل إدارة ترامب يشير إلى موافقتها الضمنية على حملة القمع التي يمارسها النّظام، وقد شنّت الحكومة البحرينية هجومًا شاملًا على قرية الدّراز، مسقط رأس رجل الدين الشّيعي المحترم الشّيخ عيسى قاسم. وقد تم اعتقال المحتجين وتعذيبهم، وكما في الماضي، تم حرمان بعضهم من الجنسية البحرينية.

وقد أخضعت أجهزة الأمن البحرينية، بما في ذلك جهاز الأمن الوطني البحريني، المدافع البحريني البارز عن حقوق الإنسان نبيل رجب -ومدافعين آخرين بمن في ذلك ابتسام الصائغ- لعمليات تعذيب مريعة. وقد عانت الصائغ من اعتداءات جنسية أيضًا. في يوليو / تموز 2017، حُكِم على رجب بالسجن لمدة عامين بتهمة بإجراء مقابلات إعلامية انتقد فيها الوضع المتدهور لحقوق الإنسان في البلاد. وقد رفضت محكمة النّقض البحرينية استئنافه في 16 يناير / كانون الثاني 2018. وقد ساء وضعه الصّحي في السّجن لأنّ الحكومة رفضت السّماح له بالحصول على الأدوية اللازمة. قصص الانتهاكات هذه وقصص مشابهة غيرها مُفَصّلة في التقارير الحالية لمنظمتي هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدّولية.

هل هناك طريقة لتحقيق تقدم؟

في حال لم تعد إدارة ترامب ترى أنّ حقوق الإنسان أداة مهمة أو فاعلة في سياستها الخارجية، وفي حال كان يمكن ضمان المصالح القومية والأمنية الأميركية من دون أداة مماثلة، فستواصل البحرين وغيرها من الدّول الدّكتاتورية على الأرجح انزلاقها الخطير باتجاه المزيد والمزيد من القمع. ومن دون مساءلة أو تهديد بالعقاب، فإن انتهاكات النّظام بحق الغالبية الشّيعية في البلاد ستتدهور على نحو بارز.

مستندًا إلى الاستخدام السّعودي للطّائفية السّنية ضد إيران الشّيعية، فإنّ نظام آل خليفة يبرز نفسه كحارس للإسلام السّني. وقمع الغالبية الشّيعية أصبح وسيلة [لتحقيق] هذا الهدف. وقد نسي النّظام [البحريني] بشكل مناسب التاريخ الحديث للإرهاب السّني، الذي كان معظمه يُمَول من قبل موالين في البحرين، والسّعودية وغيرهما من دول مجلس التّعاون الخليجي. وقد قاتل عدد من البحرينيين السّنة وماتوا من أجل الدّولة الإسلامية (داعش) في سوريا منذ [بدء] الانتفاضات العربية في العام 2011.

ومن جهة أخرى، في حال استنتج صانعو السّياسة الأميركية أنّ الحرية والدّيمقراطية والحكم الرّشيد يشكلون على المدى الطّويل أداة أكثر فاعلية لتحقيق المزيد من المصالح الوطنية وحماية الأميركيين، سيتوجب تنبيه الأنظمة الدكتاتورية، مثل [نظام] آل خليفة، إلى أنّ نهايتها قد حانت. وإن كانت [الأنظمة الدكتاتورية] تريد إجراء الصفقات التّجارية مع الولايات المتحدة، فعليها أن تعامل شعوبها بعدل واحترام. لقد علمنا تاريخ القرن الماضي أنّ [الأنظمة] الدكتاتورية والعسكرية، سواء في ألمانيا أو اليابان أو إيطاليا أو روسيا أو كمبوديا أو أي مكان آخر، ستفشل، وقد انهارت في الواقع. والمستبدون العرب في البحرين وغيرها لا يشكلون استثناء.

لقد صمد مبدأ الحرية والعدالة للجميع في وجه اختبار الزّمن. وستُحسن إدارة ترامب صنعًا حين تنجح في نقل هذه الرّسالة من إعلان الاستقلال إلى البحرين وغيرها من دكتاتوريات الموز*.

النص الأصلي

 

 


*استخدم الكاتب إميل نخلة عبارة دكتاتورية الموز للإشارة إلى مصطلح جمهورية الموز الذي صاغه في بادئ الأمر الكاتب الأمريكي هنري للإشارة إلى هندوراس في ملفوف والملوك (1904 ، مجموعة قصص قصيرة تجري أحداثها في أمريكا الوسطى)، وأطلقه على الحكومات الدكتاتورية التي تسمح ببناء مستعمرات زراعية شاسعة على أراضيها مقابل المردود المالي. أما الاستخدام الحديث للمصطلح فيجري لوصف أي نظام غير مستقر أو دكتاتوري، وبالأخص عندما تكون الانتخابات فيه مزورة أو فاسدة، ويكون قائدها خادمًا لمصالح خارجية.

التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus