آية الله قاسم... أطياف الشيخ خلف في قصر الملك حمد!

2016-08-31 - 12:16 ص

مرآة البحرين-خاص: فضّلت الحكومة عدم الانتظار، أرادت تحريك الساكن سريعا، وعوضا عن مشاريع الاحتواء الاقتصادية والاجتماعية هزّت الطاولة السياسية وأخرجت ملفاتها.

وبدون الحاجة إلى مسح أو استقصاء جماهيري، مثل ذاك الذي أجراه جستن غينغلر عام 2009، توصلت الدولة لذات النتائج وذات الرؤى حول الطائفة الشيعية: لا فائدة من محاولات الإسكات السياسي، ولا التهدئة الاقتصادية.

بدلا عن ذلك، تفاجأ الشيعة في البحرين بالحكومة، تتجه لتمرير قانون للأحوال الشخصية. كان خيارا سياسيا مدروسا بعناية من الدولة، لأنّه ضرب علماء الدين الشيعة على الوتر الحسّاس. نجحت أولى الملفات التي لعبت بها الدولة في تحريك الساكن، وهزّت المجتمع الشيعي وقيادته.

بزعامة الشيخ عيسى قاسم، استنفر علماء الدين الشيعة للوقوف ضد هذا المشروع، وبدا بأن الملك نجح فعلا في استفزازهم، بل نجح أيضا في حثّهم على التقرّب منه أكثر، وإعادة حبل العلاقات، عبر ملفات جديدة على الطاولة، حتى لو كانت غير سياسية في المضمون.

زار الشيخ عيسى قاسم الملك وأعلن عن تفاهم إيجابي حول الملف، لكن ذلك لم يحدث. تزعّم الشيخ حملة كبرى لمناهضة المشروع، وفي العام 2005 خرجت مسيرة ضخمة قدّر حضورها بأكثر من مائة ألف متظاهر، قادها الشيخ عيسى قاسم بنفسه، والتأمت فيها كافة الأطياف الشيعية (بما فيها الموالية للنظام)، رفضا للقانون.

حين يظهر الشيخ عيسى قاسم كزعيم أوحد وأعلى للطائفة الشيعية، تلتئم وترتص خلفه صفوفها، وتنفذ كلمته فيها، لا بد أنه يذكر بالشيخ خلف العصفور، ويهدد بتكرار نموذجه. في عشرينات القرن الماضي نجح نموذج الشيخ خلف في تهديد سلطة الحاكم الجديد المدعوم من الحكومة البريطانية، بعد أن عارض سيطرة الدولة على القضاء الشيعي، واستقل به.

أفردت الخارجية البريطانية ملفا كاملا تحت اسم الشيخ خلف لمتابعة قضاياه، واعتبر المستشار البريطاني بلجريف وضعه وعلاقته السيئة بالحاكم مثار أزمة شديدة. تقول وثيقة من الأرشيف البريطاني إن المقيم السياسي التقى الشيخ خلف، ووصفه بالشخصية المهمة، ويقول ملف الشيخ خلف البريطاني في تعريفه بأن الشيعة كانوا ينظرون إليه بأنه «رجل تقي يمشي بأوامر الله»، في حين يصفه بلجريف بالرجل المهيب، الذي يحظى بشعبية عارمة في نفوس أهالي قرى البحرين.

w1

يروي المؤرخون أن بلجريف ذهب بنفسه إلى الشيخ خلف ووقف على باب مجلسه وأخذ يصيح عليه: ألم نطلب منك مغادرة البلاد فوراً؟ استشاط الشيخ خلف غضباً وقال له «لا أنت ولا حكومتك بريطانيا تستطيع إخراجي من بلدي وأنا سأخرج بإرادتي».

و«لما عرف أهالي القرى بالواقعة هبوا للدفاع عن الشيخ خلف وحملوا السلاح مهددين كل من يحاول أن يمس الشيخ بسوء، عندها تدخل الشيخ خلف بعدما رأى تطور الأمور وتصاعدها مخافة أن تنفجر الأوضاع بما لا تحمد عقباه وحقناً للدماء عزم على الرحيل».

بحسب الملف البريطاني فقد اعتبر الشيخ خلف شخصا غير مرغوب به في البلاد، ويروي الملف أن ذلك قد أثار السخط بين الشيعة، فخرجت تظاهرات وأغلقت الأسواق في المنامة، وعمّت الاضطرابات، ولاح نذير أزمة. يقول بلجريف في يومياته إن مبعوثا من الحاكم وجد الشوراع ممتلئة بالناس عند منزل الشيخ خلف، وهم يترددون على منزله ذهابا وإيابا، إثر قرار منعه من القضاء وصلاة الجمعة، واستدعائه للمنامة.

في 1931، وبعد معارك كبيرة مع الحكم، نفى حمد بن عيسى الحاكم المدعوم بريطانيًا الشيخ خلف من البلاد للمرة الثانية إلى العراق، وظل «الرجل الذي يمشي بأوامر الله» منفيا حتى توفي. وفي العام 2016، وبعد معارك كبرى مع الحكم، يسقط نجل الحاكم الأسبق وسميّه الملك حمد بن عيسى، المدعوم من بريطانيا هو الآخر، جنسية رجل آخر: «آية الله» الشيخ عيسى قاسم.

ربّما راق للملك حمد أن يستدعي ذات الملفات التي واجه بها جدّه زعيم الشيعة وقتئذ. ذات الملفات التي حارب من أجلها الشيخ خلف، حارب من أجلها الشيخ عيسى قاسم، هي ببساطة: «دولة» يأتمن فيها الناس على حقوقهم!

في قصر الملك: من أجل حقوق الشيعة الدينية

منذ أيام الراحل الشيخ عبد الأمير الجمري كان لدى العائلة الحاكمة قناعة بأن قرارات السياسة المصيرية أو القرارات العليا لا بد أن تُأخذ من القيادة الدينية للطائفة الشيعية، وليس من السياسيين، وعليه، حتّى العام 2006، كانت فقط تفاوض كبار علماء الدين الشيعة أو الدوائر القريبة منهم.

بحسب مصدر معارض، كان اللقاء الأول بين الملك حمد والشيخ عيسى قاسم بعد وقت بسيط من عودته إلى البلاد في مارس/آذار 2001. يصف المصدر اللقاء (الذي لم يعلن عنه كما يبدو) بأنّه كان ودّيا، وتناول قضايا الإصلاح السياسي.

في 11 مايو/أيار 2003، أي بعد حوالي 8 أشهر من لقائه بولي العهد، التقى قاسم بالملك علنا، لكن من بادر بالزيارة هذه المرة هو الشيخ عيسى نفسه، برفقة كبار العلماء.

في وكالة الأنباء الرسمية، لم يتسرّب شيء عن اللقاء سوى صورة، وسوى تصريح بأن الملك قال إنّه «يقدّر» خدمات هؤلاء العلماء الجليلة في التوجيه والإرشاد، «ويشيد» بدروهم في ترسيخ المبادئ الفاضلة والعمل على «ترسيخ روح الوحدة الوطنية» وتعميق مفاهيم الأسرة الواحدة المتكاتفة.

في الرجوع إلى مثل هذه التصريحات، يمكن للمرء أن يتوقّف كثيرا اليوم عند ما كان موقف الملك من الشيخ عيسى قاسم وبقية العلماء قبل 13 عاما، ويحاول أن يفهم تبدّلاته الراديكالية إلى حد بعيد.

أما الشيخ وأصحابه، فقد نقلت عنهم الوكالة شكرهم وتقديرهم للملك وتأكيدهم «الاستمرار في تعزيز الانفتاح والعمل على كل ما يحقق تطلعات المواطنين».

وفي الواقع تكشف الكلمات الأخيرة عن أن اللقاء لا بد أن يكون قد أخذ منحى سياسيا.

دبلوماسية عالم الدين

بعد يوم واحد كشف الشيخ عيسى قاسم لصحيفة «الوسط» أن اللقاء كان عن ملف قانون الأحوال الشخصية، وأعلن أن «تفاهما إيجابيا» مع الملك نتج عنه، وقال إنه كان لقاء إيجابيا ولم يكن مواجهة سياسية.

ولكن، خلال أيام قاد قاسم حملة للتوقيع على عريضة شعبية رافضة للقانون، يزمع رفعها إلى الملك. وخلال أحد اللقاءات، قال قاسم بدبلوماسية عالم الدين الذي كان يوما ما رجل سياسة ونائبا في البرلمان (1973) «إن العريضة مكتوبة باسم الملك، ولكنها ليست موجهة ضده، وهي ورقة نضعها في يد من يريد أن يجنب البلد هذا الإثم الكبير والفاحش سواء كانوا نوابا أو حكومة».

سيذهب الشيخ عيسى قاسم بنفسه لأي طرف كان، حتى لو كان الملك، أو النوّاب غير المعترف بهم، من أجل حماية الحقوق الدينية للشيعة.

ورغم كل محاولات التفاهم هذه، على أرفع مستوى، ورغم نزول خطاب القيادة الشيعية إلى القبول بالتقنين إذا ما توفّرت ضمانات دستورية حول آليته وآلية تغيير القانون، بقي الملف مشتعلا، وظلّت التهديدات على الطاولة بشكل جاد، على وقع تحشيد إعلامي لتمرير قانون موحّد للطائفتين يسنّه البرلمان، في مواجهة رفض شيعي عارم، يتزّعمه الشيخ عيسى قاسم.  

القضاة الشيعة قبل 1923: أهل السلطة العليا والحكومة الشرعية

رأى كبار علماء الدين الشيعة أن فرض قانون الأحوال الشخصية ليس فقط تهديدا كبيرا للطائفة، بل تدخّلا غير مسبوق في التاريخ، في الخصوصيات المذهبية التي تحكم الزواج والطلاق والميراث. رأوا بأن الملك مستعد للذهاب إلى أبعد من دستور غير عقدي، يثبّت بقوانينه حكمه المنفرد، ليس فقط على السياسة وإدارة الدولة، بل على كل ما يخص حياتهم على هذه الأرض.

وهكذا، فبدلا من الإحساس بتقدّم في إطار الحرّيات والحقوق الدينية، فيما بعد الميثاق، أحس علماء الشيعة يتزّعمهم الشيخ عيسى قاسم أن أكثر مكتسباتهم خصوصية، والتي حافظوا عليها حتى في أحلك الفترات من تاريخ حكم آل خليفة، معرّضة للضياع.

في كتابه الشهير (القبيلة والدولة)، يشير عالم الاجتماع اللبناني فؤاد خوري إلى أن محاكم الشيعة لم يكن معترف بها رسميا من قبل النظام فيما قبل 1923، بخلاف المحكمة السنية التي كانت تابعة لسلطة قاض فرد معترف به رسميا من قبل النظام.

يقول خوري إن بروز القضاة الشيعة بشكل طوعي كان على أساس الدعم الشعبي، لا بشكل وظيفي على أساس التعيين الرسمي. كانت محاكم الشيعة تعمل خارج تركيبة الحكم والحكومة، حسب وصف خوري،  الذي يقول إن دور القضاة الشرعيين في ذلك العهد، تجاوز الحكم في الأحوال الشخصية، إلى نفوذ وسلطات أعلى تنافس سلطة الحاكم «كان أتباعهم يعتبرونهم أهل السلطة العليا وأصحاب السيادة.. وكأنّهم السلطة الشرعية في البلاد».

في كتابه (ماضي البحرين وحاضرها)، يسمي الشيخ إبراهيم المبارك القضاء الشيعي بـ«الحكومة الشرعية»   ويقول إن الناس كانوا يعتقدون بأن من يخالف أحكام العلماء مرتد «ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا متمرد على الشرع مصر على أن لا يسلم إلا للحكم الجبري من قضاء القاضي الرسمي».

وبحسب خوري، فإن القضاة الشيعة تمتّعوا بالامتيازات نفسها التي تمتعت بها المجالس القبلية من حيث السيطرة على الموارد وممارسة السلطة بشكل مستقل عن الحكم «كانت المحاكم الدينية عند الشيعة، من حيث الشكل، بديلاً عن الحكم الذي سيطرت عليه القبائل السنية».

الشيخ خلف

خلف

لا عجب إذن أن يمتد نظر الحاكم إلى عمل القضاة الشيعة، وأن يبدأ فعليا في ضمّهم تحت عباءة حكمه، وصولا إلى ضبط عملهم وتحييدهم والتقليص من سلطاتهم ونفوذهم القوي. وبحسب المصادر التاريخية، فلم يحدث ذلك إلا فيما بعد استقرار الحكم لعائلة ال خليفة، في زمن عيسى بن علي آل خليفة (حكم من 1869-1923)، بدعم من البريطانيين.

علاقة العائلة الحاكمة بالقضاء الشيعي بدأت على ما يبدو في العام 1910، حين توسّط أحد وجهاء الشيعة بالمنامة عند الحاكم عيسى بن علي آل خليفة للاعتراف بالشيخ خلف العصفور قاضيا للشيعة، بحسب ما تشير وثيقة من الأرشيف البريطاني، وبحسب ما ينقل الشيخ إبراهيم المبارك.

يجمع المؤرّخون على أن الشيخ خلف حظي بزعامة كبرى لدى الطائفة الشيعية، ونفوذ وسيطرة، وأن كلمته كانت مسموعة وماضية. تولى الشيخ خلف الحسبة والإفتاء والقضاء من مقره بالعاصمة المنامة، وأقام الجمعة، وبنى العديد من المساجد المشهورة اليوم على رأسها جامع رأس رمان، كما يروى أن له الفضل في انتزاع قسم كبير من الأوقاف الجعفرية من مغتصبيه (منتظم الدرين، محمد علي التاجر). ويبدو أنّه تميّز بالزعامة المركزية لنشاطه الكبير الذي تجاوز المنامة، متنقّلا بين القرى، ليصل إلى باربار، عالي، دار كليب، الدير، سماهيج، وسترة. ووسط هجمات الفداوية، واغتصاب الأراضي، وضرائب السخرة والإقطاع، التفّ الناس حول الشيخ كزعيم أعلى، لدفع المظالم ورص صفوف الجماعة وتقوية موقفها.

مارس الشيخ خلف القضاء 8 سنوات، خارج سلطة الحكم، بالشكل المتعارف سابقا، ثم كان أول عالم دين شيعي بحريني يحظى باعتراف القبيلة الحاكمة قاضيا للشيعة.

ورغم تميّز حكم عيسى بن علي بالإقطاع والاضطّهاد المنظّم للشيعة، حتى عزله في العام 1923، إلّا أن ذلك لم يمنعه من قبول الاعتراف بالشيخ خلف قاضيا للشيعة، لكنّه عزله بعد أقل من عام، ثم عاد واعترف به قاضيا بعد 4 سنوات.

وبحسب وثيقة بريطانية اطّلعت عليها المرآة (من ضمن الأرشيف الذي يعكف مركز أوال للدراسات والتوثيق على ترجمته)، فإن الشيخ خلف كان أحد أكبر داعمي الإصلاحات البريطانية التي قادها الميجور ديلي، والتي أطاحت بحكم عيسى بن علي المضطّهد للشيعة، وإلى هذا السبب تحديداُ، يعزو المقيم السياسي البريطاني في الخليج، ليونيل هاوورث، تردّده في قبول طلب الشيخ حمد بن عيسى، حاكم البحرين الجديد، بعزل الشيخ خلف من منصبه، بحسب ما تشير الرسالة الصادرة في مارس/آذار 1927.

213
صورة من الوثيقة البريطانية - خاصة بمركز أوال للدراسات والتوثيق

ظلت العلاقة مستاءة بين الشيخ خلف والحاكم الجديد، كما أن علاقته بالمستشار البريطاني تشارلز بليجريف (الذي قدم في العام 1926) كانت سيئة هي أيضا. وخشي المقيم السياسي بحسب رسالته من أن تكون هذه بؤرة مشاكل محتملة.

التقى المقيم السياسي البريطاني بالشيخ خلف (الذي يصفه بالشخصية المهمّة) ونصحه حسب قوله بأن يقيم علاقة جيدة مع الشيخ حمد لكي يبقى في منصبه، كما نصح الشيخ حمد بأن يبدي له المودة والاحترام. لكن ذلك لم يحدث، وتم نفي الشيخ خلف إلى العراق، وعيّن في مكانه قضاة آخرون، عبر ما سمّي بهيئة انتخاب، يشغل عضويتها وجهاء من الشيعة.

وإثر حوادث جمّة، وعرائض شيعية قدّمت للحاكم، وتوسّطات قادها ملك العراق وقتها، عاد الشيخ خلف إلى بلاده بعد حوالي 3 سنوات. وبحسب عدد من المصادر فقد وضع تحت الإقامة الجبرية، وبعد رفعها عنه ونزوله في قرية عالي وأخذه زمام القيادة من جديد، عُرض عليه تولّي القضاء الرسمي، لكنه رفض.

وبخلاف إقامة الجمعة والجماعة، يبدو أن الشيخ خلف أدار دفّة القضاء بشكل مستقل، في حين كان هناك قضاة معينون من الحكومة. أثار نشاط الشيخ خلف سخط بلجريف والحكومة، وانتهى به المطاف منفيا من جديد إلى العراق، وقد تعرّض إلى تهديدات مباشرة من بلجريف الذي جاءه إلى منزله، ليجبره على الرحيل.

قد يكون الشيخ خلف العصفور قد عارض تحديث القضاء ومأسسته تحت حكم آل خليفة، بمنحهم الحق في تنصيب أو عزل القاضي، وحتى إقرار الأحكام، أو قد يكون عارض تقليص صلاحيات القضاء الشرعي وحصرها في قضايا الأحوال الشخصية، أو ربما يكون السبب باختصار بأنّه لم يكن ليسلّم لحكم آل خليفة.

وفي الواقع لم يكن الشيخ خلف وحده من دخل في صراع واحتكاكات مع القبيلة الحاكمة، بل شمل ذلك عددا آخر من القضاة المعيّنين وقتها مثل الشيخ سلمان العصفور، والشيخ عبد الله الطعان، وقد تم عزلهما. وحتى الشيخ أحمد آل حرز، الذي توفي في ظروف غامضة.

ورغم دخول عدة شخصيات مرموقة دينيا في سلك القضاء الشرعي، منها الشيخ باقر العصفور، والشيخ محمد علي حميدان، والشيخ سليمان المدني، والشيخ عبد الأمير الجمري، وذلك بعد بسط الدولة سيطرته عليه، وبعد أن صار جهازا لا مفر من اللجوء إليه لتنظيم هذه الشئون، إلا أن الجدل حوله لم يكن ينتهي.

وحتى يومنا هذا لا يزال الملك (الحاكم) يعين بشكل منفرد القضاة الشرعيين من جملة رجال الدين الشيعة،  ورغم أن غالبهم اليوم هم من المحسوبين في صف الموالاة، إلّا أن ملامح الخصوصية للطائفة الشيعية بقيت محفوظة على الأقل، والباقي في ذمّة القاضي.

بديلا عن الحكم

يعتبر خوري أن القضاة الشيعة دخلوا في صراع مع الحكم، وكانوا بديلا عنه ينافسونه السلطة. بتحليله ذاك، ربّما يجيب خوري على سر اهتمام الدولة بقانون الأحوال الشخصية (ما تبقى من مساحة للقضاء الشرعي).

لم يجد الشيخ خلف العصفور بعد أن قبيلة آل خليفة ونظام الحكم الحديث تحتها يمكن أن يستؤمن على خصوصيات الشيعة، ويمكن التعاون والعمل معها لتنظيم أمور السكّان الشيعة، دينا ودنيا.

وفضلا عن نظرة الريب وانعدام الثقة التي لا تزال تحكم العلاقة بين علماء الشيعة ونظام الحكم، فإنّ القبيلة الحاكمة نفسها أرادت عبر احتواء القضاء الشيعي (بعد أن كان مهملا أو غير معترف به في فترات سابقة)، أن تقلّص من المكانة المرموقة لعلماء الدين الشيعة، ودورهم المركزي والريادي في تنظيم أمور طائفتهم، خصوصا في أوقات الصدامات، كما يذكر خوري.

واليوم يتكرّر الأمر ذاته. لا تنظر الحكومة بأهمّية إلى تنظيم القضاء الشيعي، إلا من جهة استفزاز العلماء الشيعة، وتقزيم دورهم بحصره في مؤسّسات الدولة، ووضعهم تحت سيطرتها الكاملة، عبر دمجهم تحت عباءتها بشكل أو بآخر (على سبيل المثال، ضمّت الحكومة الشيخ عبد الأمير الجمري أحد أبرز نوّاب المجلس الوطني في 1973 إلى سلك القضاء الشرعي قبل أن يستقيل نهاية الثمانينات ويقود انتفاضة التسعينات، وبعد مرحلة الميثاق عرض على جماعة الشيخ عيسى قاسم الانضمام إلى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية).

الكلمة التي أسكتت الملك

إن حالة السخط التي تصاعدت على شكل نظام الحكم، منذ العام 2002، لم تكن لتمرّر مزيدا من الخضوع له، والاعتراف به.

لم يكن علماء الدين الشيعة وعلى رأسهم الشيخ عيسى قاسم لأن يسلّموا شئون طائفتهم الدينية لدستور يرونه غير شرعي، ولنظام حكم يرونه مستبدا ومخادعا. ليست الزاوية التي ينبغي أن ينظر فيها إلى هذا الملف هي زاوية التحديث والتقنين، يجب أن ينظر إليه من زاوية سياسية بحتة. لقد قبل الشيخ قاسم بالتقنين، بشرط الحصول على ضمانة دستورية، لكن مفاتيح هذا القبول مسّت أساس مشروع الملك، وهو دستور 2002.

حول ذلك، يقول النائب السابق عبد النبي سلمان، إن حملة العلماء الشيعة ضد قانون الأحوال الشخصية كانت فرصة مثالية لمحاولة إقناع الملك بتعديل الدستور «لو وافق الملك على التعديل لمنح العلماء الشيعة الضمانة المطلوبة، لكان من الممكن أن يفتح ذلك الطريق لمطالبات أخرى بتعديل الدستور». يقول سلمان إنه أبلغ الشيخ عيسى قاسم في اجتماع إن الضمانة الدستورية لن تنجح «ذلك لن يحدث. ما إن نتحدّث للملك عن تغيير في الدستور، سيصم أذنيه».

ولأنه لن يقبل بالطبع بالتعديل الدستوري (وهي حجّة بدت كافية ومقنعة بل ومفاجئة)، سكت الملك فعلا، وتم سن القانون بشقّه السنّي فقط.

آية الله قاسم: أطياف الشيخ خلف في قصر الملك

قاااسممم

وفي الواقع، نجحت حملة الزعيم الأعلى للشيعة في البحرين، آية الله قاسم، على أكثر من صعيد، فقد أثبتت أولا بأن نظرته ونظرة العلماء الشيعة (بما فيها المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد السيستاني) هي ليست ضد التحديث والمأسسة والتقنين، فضلا عن أنّها أقنعت حتى الحلفاء العلمانيين بأن القضية هي قضية خصوصيات دينية لا يمكن أن تفرض على أي طائفة. وعلى صعيد أهم أفشل تحرك الشيخ عيسى مشروع الملك في استفزازه سياسيا، وقلب الطاولة عليه، ليظهر في موقف محرج سياسيا، محشورا في زاوية الدستور من جديد!

ربما أجادت الطاولة السياسية (بجانبيها) استخدام هذه الورقة، في إجبار المعارضة الشيعية أو ربّما فتح باب لها للدخول في البرلمان، تحت عنوان «دفع الضرر»، كما قال الشيخ عيسى قاسم نفسه في 2006.

في المقابل، أثبت الشيخ أنه نموذج عالم الدين المرن المستعد للتحرك على جبهتين: جبهة التحرك عبر أدوات الضغط السياسي مثل العرائض والمسيرات، والجبهة الدبلوماسية التي تلجأ إلى الحوار والتفاهمات. لم تمنعه مكانته المرموقة ونزعة الزعيم الديني المتشددة للاستقلال، من الوقوف على باب الملك. عرف الملك ما سيثير الشيخ عيسى قاسم بشكل كبير، وما هو أكثر الأمور حساسية له، ولكن الشيخ استفاد من التجربة، رغم أنها حاولت أن تظهره في موضع غير القادر على مواجهة التحديات، بلا أي وجود أو تمثيل داخل مؤسسات الدولة. كان الملف داعيا للمراجعة وليس للتراجع.

ربّما كان هدف الدولة الأبعد أن يدخل الشيخ عيسى قاسم أو القريبون منه بأنفسهم إلى سلك القضاء بعد تقنينه، لإدخالهم تحت عباءة الدولة، وربّما أرادت أن لا يتكرّر نموذج الشيخ خلف العصفور الريادي، في شخص الشيخ عيسى قاسم، بأي شكل من الأشكال، فجاءته من حيث يحتسب!

وفي حين كان الشيخ خلف مؤيدا قويّا لإصلاحات العام 1923 وترتيباتها التي رفعت مظالم الشيعة، رفض ما استحالت إليه من هيمنة وترسيخ لحكم القبيلة في شكل «دولة» مدعومة من القوى الكبرى. على ذات الخط، قَبِل عالم الدين ورجل السياسة الشيخ عيسى قاسم مشروع الميثاق في 2001، لكنّه وقف في وجه دستور 2002 غير العقدي، وتبعاته.

دراز

لقد مشت أطياف الشيخ خلف في قصر الملك حمد، مذكّرة بتاريخ من الاضطّهاد. وعلى غرار ما رأى بلجريف عند منزل الشيخ خلف من تجمهر،يحيط الناس ببيت الشيخ عيسى قاسم منذ 70 يوما، ليمنعوا عنه انتقام حمد بن عيسى (الثاني).

بعد 70 عاما اعترفت الدولة بظلم الشيخ خلف، وبأنه كان زعيما وطنيا ودينيا رفيعا، وأطلقت اسمه على أحد شوارع المنامة. فلماذا يجب أن ننتظر 70 عاما أخرى، لنرى اسم الشيخ عيسى قاسم على شارع بالدراز، بدل محاصرته فيها؟

 

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus