نبيل رجب في حوار خاص مع مرآة البحرين: لا تعنيني طبيعة النظام السياسي ولا خلفيته الدينية، تعنيني فقط عدالته والتزامه بمعايير حقوق الإنسان.

2011-06-07 - 6:23 ص

بعد أن أخرس البطش العسكري الأصوات التي كانت تنقل الحدث البحريني لحظة بلحظة، بقى صوتاً يكاد يكون وحيداً مع عدد قليل جداً، لم يكترث بالتهديد. واصل الحقوقي نبيل رجب نشاطه العلني. ظل ينقل إلى العالم ما يجري على الشارع البحريني عبر القنوات العربية والعالمية والفيايسبوك وتويتر، فضلاً عن تواصله المباشر مع وفود المنظمات الحقوقية والمؤسسات الاعلامية الذين يأتون لزيارة البحرين. 

نبيل رجب تعرض لتهديدات كثيرة حاولت ثنيه وإسكاته. بدأت عبر الهاتف والرسائل النصية والبريد الالكتروني. آخرها كان الهجوم على بيته الواقع في قرية بني جمرة بقنابل مسيلة للدموع مرة، وقنابل (مولوتوف) مرة أخرى، ثم استدعاؤه للتحقيق مؤخراً. لكن شيئاً لم يوقفه. أسماه شارع الثورة بـ"تاج الثورة البحرينية"، تقديراً لصوته الذي صار نبضه، حين خنقت جزم الجيش نبض الشارع. مرآة البحرين التقت رجب في حوار طويل. تحدثت معه عن ما لا يعرفه الناس من سيرته وتجربته الحقوقية، وعن التهم التي يجري توجيهها له من قبل السلطة والقريبين منها. 


■ ربما لهذا لم أعتقل..

مرآة البحرين: السؤال الذي يكرره الجميع بتعجب، لماذا لم تعتقل حتى الآن؟ 

 


نبيل رجب: لا أعرف أسباب السلطة الحقيقية لعدم اعتقالي حتى الآن. لكن ربما لأن اسمى معروف في المنطقة العربية والعالم، ولدي ارتباطات كثيرة بمنظمات دولية عديدة، فأنا رئيس لبعض المنظمات ونائب رئيس لبعض آخر وعضو في الكثير منها ولي نشاطي المميز فيها ورأست عدة بعثات دولية حقوقية لتقصى الحقائق. على المستوى البحريني أنا من أكثر الشخصيات التي لديها ارتباطات من الجانب الحقوقي. قد يكون هذا هو السبب وقد تكون هناك أسباب أخرى لا أعرفها. لكن هذا لا يمنع أني تعرضت للضرب عندما تم إيقافي في فبراير لمدة ساعتين. كذلك في ٢٠٠٥ تم ضربي في الشارع أنا والحقوقي عبد الهادي الخواجة بوحشية. كنا معتصمين خارج البرلمان. وهناك صور تم نشرها على الانترنت تبين آثار هذا الضرب على جسدينا حينها. 

■ حادثان أثرا فيَّ..

مرآة: لنبدأ إذاً من حيث تجربتك الحقوقية، حدثنا عنها، متى بدأت وكيف نضجت؟  

رجب: أول تجربة حقوقية لي كانت في المدرسة الثانوية حيث أحداث الثمانينات. هي تجربة عفوية. موقفان أثرا فيّ حينها: الأول عندما جاء رجال المخابرات
• هنا بدأ صوتي في الظهور وصرت مزعجاً في المدرسة، ومنذ أن ركبتني لعنة الإزعاج، لم تغادرني حتى الآن.
للقبض على أحد زملائي، هرب من الصف خوفاً، محاولاً الفرار منهم، لم يكن أمامه مهرب فألقى بنفسه من الطابق الثاني بالمدرسة وتعرض لإصابات. كان هذا مؤثر جداً بالنسبة لي. الحادث الثاني هو اعتقال مدرس عزيز علي جداً. هنا بدأ صوتي في الظهور وصرت مزعجاً في المدرسة. ومنذ أن ركبتني لعنة الإزعاج، لم تغادرني حتى الآن (يضحك). كنت في مدرسة الحورة الثانوية. كتبت شعارات حقوقية على الجدار، لم تكن سياسية. تم ضبطي متلبساً. خُيرت بين أن يتم تسليمي إلى الشرطة أو أنسحب من المدرسة. كنت متفوقاً في دراستي وترتيبي الأول. اخترت الانسحاب. أكملت دراستي بمدرسة الشيخ عبد العزيز. 

سافرت لمواصلة دراستي الجامعية إلى الهند حوالي ١٩٨٣-١٩٨٨م. درست العلوم السياسية. لم أكمل الماجستير لأن أبي مرض وكان علي العودة للبحرين والبحث عن عمل. خلال سنوات دراستي الجامعية لم أدخل أي حركة سياسية. كنت من الناشطين الذين يعملون من خارج الاتحاد الوطني وداخل الاتحاد العام لطلبة البحرين. لكن ليس في أي تحرك سياسي. كان الحقوقي هو ما يستهويني لا السياسي. لم أتأطر بإطار سياسي طوال حياتي. أيضاً، لم تكن ثقافة حقوق الإنسان واضحة عندي، لكني كنت أقوم بالدفاع عن الجميع وأعمل فعاليات خارجية. الإزعاج صار سمة ملازمة لي. أي مكان أذهب إليه لا أسكت حين يكون الأمر متعلقاً بحق أحد من الناس. لم أكن ملتزماً بأي معيار حقوقي. كان عملي عشوائياً.  

■ أول العمل المنظم

مرآة: ومتى بدأ عملك الحقوقي المنظم؟

رجب: عدت إلى البحرين عام ١٩٨٨ ولا زال عملي عشوائياً. مع أحداث التسعينات بدأت أمارس نشاطاً حقوقياً بشكل منظم. أحاول التواصل مع المؤسسات الحقوقية في الخارج. كان العمل خطيرا حينها لذلك كان كل شيء سريا.  في ١٩٩٦ بدأت فكرة إنشاء جمعية لحقوق الإنسان تراودني. حينها كان قد مر على معرفتي بـ(علي ربيعة) عام واحد. تعرفته في بناية الزهراء في المنامة حيث مكتبه مجاور لمكتب والدي.

عرضت عليه مع ابراهيم كمال الدين فكرة إنشاء مؤسسة حقوقية. حذرني ربيعة من خطورة الفكرة في ذاك الوضع، لكني كنت مصراً. بعدها قام ربيعة وابراهيم
  • جميع الملفات كانت تحت سقف المركز. لكنها فوق السقف المسموح به رسمياً.
كمال الدين، بتعريفي على كل من سلمان كمال الدين وسبيكة النجار ومحمد المطوع وبعض الزملاء الآخرين. بدأنا لقاءات سرية. حتى ٢٠٠٠ التقينا بالملك وسمح لنا بتأسيس الجمعية. بقيت في الجمعية أقل من عام قبل أن اختلف مع الجماعة. جمدت عضويتي وبدأت أعمل على تأسيس المركز. بداية فكرة المركز كانت عبر لقائي الأول مع عبد الهادي الخواجة في ١٩٩٧م. كنا نحضر اجتماع حقوقي حول أوضاع البحرين. التقيته في لندن مع كل من عبد النبي العكري وعلي سلمان ومنصور الجمري وحسن موسى. جميعهم كانوا في الخارج بين مهاجر ومنفي ويأتي كل منهما من مكان مختلف. وحدي أتيت من البحرين. كان هذا أول اجتماع تعرفت فيه على آخرين مهتمين بحقوق الإنسان، قبلها كنت أعمل وحدي. عندما عاد الخواجة إلي البحرين أسسنا المركز ومعنا آخرون. سمح لنا بتأسيسه بعد محاولات عديدة انتهت بلقاء الملك.  

■ الخطوط الحمراء

مرآة: لماذا حُل المركز إذاً؟

رجب: المركز منذ بدايته لم تكن له خطوطاً حمراء يقف عندها. الملفات التي تبناها كبيرة: الفساد. التوزيع غير العادل للثروات. التمييز ضد الطائفة الشيعية. جميع هذه الملفات كانت تحت سقف المركز. لكنها فوق السقف المسموح به رسمياً. هذا الأمر جعل المركز يبدو مزعجاً للسلطة منذ البداية. واجهتنا العديد من الانتقادات حتى من جمعيات سياسية. هذه الملفات لشدة حرمة التعاطي معها في مجتمعنا كانت تخيف الناس من التطرق إليها. وهذا ما حدث، سقفنا المرتفع عن سقف السلطة، أدى إلى أن تحل السلطة المركز.  

مرآة: وما هي طبيعة المركز الآن؟

رجب: الآن هو حراك أكثر منه مؤسسة حكومية، صار ثقافة وتجاوز أن يكون مركزا ورئيسا وأعضاء. عدد كبير من  العاملين معنا من الفتيات والشباب متطوعون دائمون في المركز، من داخل وخارج البحرين. آخرون يقومون بمهمات مؤقتة. كل من يشترك معنا في عمل يعتبر تلقائياً معنا في المركز. 

■ ضريبة الازعاج

مرآة: صوتك المزعج وسقفك الذي لا يعترف بالأحمر، جعل السلطة تخطط لضربك شخصياً، الآن تجاوز الوضع مجرد مركز يحل، ألا تخشى على حياتك؟ وما أثر ذلك على زوجتك وأبنائك؟ 
 • عندما دافعت عن معتقلي السعودية كانت السلطة تضغط على العوائل أن أبعدوا نبيل رجب عن قضية أبنائكم.

رجب: الخطورة والاستهداف والمضايقات هي ضريبة عملي وضريبة إزعاجي الحقوقي.وهي ضريبة يدفعها كل من يود ويؤمن بالتغيير. الإنسان يختار طريقه وعليه أن يعيشه بكل مخاطره وصعوباته. أنا جاهز لكل ما يحدث لي. زوجتي لا شك أنها تدفع ضريبة عملي. ضغوط ومضايقات في العمل. زوجتى خلال الأشهر الماضية عاشت الكثير من التوتر والقلق المنهك من أجلي. هي إنسانة بسيطة تحب أن تعيش حياة هادئة ولا تحب أن تكون تحت الأنظار. لكن قدرها أنها تزوجت إنسانا مزعجا. أطفالي يتعرضون لاستهداف في المدرسة. آدم عمره ١٤ سنة، وملك ٩ سنوات. نحن في البيت نعمل على تغذيتهم بتعليمات صارمة  بشأن التعاطي مع زملائهم في المدرسة وعدم الوقوع في الاستفزاز. الثقافة التي تعلموها هنا أن أتسامح مع من يختلف معي فكرياً. "ملك" تأتيني يومياً بملخص ما تتعرض له في المدرسة. "آدم" يدرس في مجتمع منقسم، أقلية تعارض والده وأكثرية تؤيده. الثقافة التي يتلقاها هنا في البيت، هي أن يكون قريباً من المعارض لا عدواً له. أقول له دائما: اسمع لمن يختلف معك ربما تقتنع بما يقول، فأنت لست أباك. 

■ شفافية

مرآة: في تويتر، تحرص على أن تذكر التفاصيل التي تتعرض لها صغيرها وكبيرها. ما الذي تحاول إيصاله من هذه الطريقة؟  

رجب: من حق الناس أن تعرف عنك كل شيء مادمت وضعت نفسك في خدمتها بشكل علني، من حقها أن تعرف عن القوى السياسية المعارضة ما يدور من حوارات ولقاءات. يجب علينا أن نشرك الناس في كل ما يحدث لأن الناس الجزء الأساس من تحركنا. لهذا السبب أحاول أن أكون شفافاً في نقل ما أقوم به من تحركات، كذلك  ما يحدث لي بشكل مباشر. هذا يجعلني أكسر حاجز الصمت. ولا يكون للخوف مكان في داخلي. وهذا ما جعل الامر صعباً على الحكومة في التعامل معي. لا يوجد لدي شيء في الخفاء يمكن أن تُضعفني من خلاله. نبيل الحقوقي هو نبيل المعلن. 

■ ملتبس بالطائفية

مرآة البحرين: أكثر من مرة ذكرت بأنك تتمنى أن يستضيفك تلفزيون البحرين الذي خصص برنامجاً كاملاً لإدانتك دون أن يستدعيك للرد على ما نُسب إليك.  أوضحت في توتير أنك حاولت الاتصال بالتلفزيون مرات عديدة طوال وقت البرنامج دون أن يُسمح لك. سنتعرض الآن لبعض التهم التي تدينك بها السلطة وحلفاؤها ونسمع رأيك فيها. أولاً: أنت متهم بأنك نموذج لحراك حقوقي ملتبس بالطائفية؟

نبيل رجب:  من يزعم هذا عني هو بقناعة تامة بكذب هذه المزاعم، لكن الجانب الرسمي يريد اتهامي بذلك من أجل الطعن في مصداقيتي وخصوصا انه يرى بالتلاعب بالورقة الطائفية ربما تحميه من حقيقة ان هناك مطالب شعبية ومن اجل إبعاد أبناء الطائفة السنية عن العمل الحقوقي المهني. عندما دافعت عن المعتقلين البحرينيين في غونتنامو كانت السلطة تراه خطراً عليها. وعندما دافعت عن معتقلي السعودية كانت السلطة تضغط على العوائل أن أبعدوا نبيل رجب عن قضية أبنائكم. السلطة لا تريد أن يتبنى (شيعي) قضية حقوقية  لمواطن (سني) أو العكس. مثل هذا يعزز التلاحم الانساني بين مكونات المجتمع، وهو ما تعمل السلطة على شرخه للاستفادة منه في ضرب المكونين بعضهما ببعض خلال الأزمات التي تعيشها مع الشارع كما هي الآن.  

عملت في الولايات المتحدة الأمريكية على الدفاع عن معتقلي غونتنامو وأمسكت هذا الملف في الكثير من الدول العربية. المحامون عملوا على الدفاع عن المتهمين بما قيمته عشرات الملايين من الدولارات، كان لي دور كبير في هذا. كنت أكثر ناشطا اشتغل في قضايا سنية عندما كانت الجمعيات السنية تختفي وتخاف أن تعلن موقفها من قضية أبنائها. سافرت كل مكان من أجل هذه القضية، حتى المعتقلين الخليجيين والعرب في غونتنامو كنت مسؤولاً عن ملفهم. تعرضت لملاحقات دولية بهذا السبب، اُتهمت وقتها أني أساند الحركات الارهابية والسلفية والسنية. تعرضت لتحقيقات في عدة مطارات دولية في السعودية ومصر والولايات المتحدة الأمريكية والأردن بسبب موقفي  الحقوقي من هذه القضية التي كنت اعمل عليها بشكل مهني بعيدا عن الخلفيات العقائدية والمذهبية التي هي احترمها جميعا.. 

■ أغراض سياسية

مرآة: متهم أنك تجير الحقوقي للسياسي، أي تستخدم الحقوقي من أجل أغراض سياسية. ماذا تقول؟

 • أنا لا تعنيني طبيعة النظام السياسي ولا خلفيته الدينية، تعنيني فقط عدالته والتزامه بمعايير حقوق الانسان.
رجب: هذه تهم فضفاضة تقولها السلطة دون الاستناد لأي دليل واقعي. لا أحد يعترف بمثل هذا الكلام في العالم. أتحدى أن يأتي أحد بما يسند مثل هذا الكلام. مرجعيتي الحقوقية تكفلها المعايير الدولية والمعاهدات. لكن في الوقت نفسه لا يتوقع أحد أن أتناول الانتهاكات التي تحدث في بلدي بلغة محايدة كما يفعل أي ناشط حقوقي من الخارج. لن أكون لطيفاً في مس هذه الانتهاكات ومن الطبيعي أن أكون أكثر حدة عن أي منظمة حقوقية تتحدث من الخارج. كوني ابن البحرين فأنا متأثر بها وطرف فيما يحدث فيها. لكني لا أختلف عن أية منظمة حقوقية في مرجعيتي في العمل. 

مرآة: ماهي المسافة الفاصلة بين السياسي والحقوقي في رأيك؟

رجب: الحقوقي يتحدث عن نظام حكم عادل يلتزم بمعايير حقوق الإنسان تعيش فيه الناس بعزة وكرامة، وغير معني بطبيعة هذا النظام أو شكله إن كان جمهوريا أو ملكيا ولا تعنيه الخلفية السياسية والعقائدية والمذهبية لرموز النظام ايضا. أما السياسي فهو من لديه الطموح السياسي في الوصول إلى سدة البرلمان أو الحكومة .

■ جانب واحد

مرآة: متهم أنك ترصد الانتهاكات التي يتعرض لها المحتجون فقط، لكنك تتغاضى عن الجانب الحقوقي فيما يرتبط بطرف النظام، أعني رجال الأمن مثلاً؟ 

رجب: نحن كنشطاء حقوق إنسان نسمي أنفسنا "صوت من لا صوت له". الحقوقيون يعملون على رصد ما يقع على الضعفاء الذين لا يجدون في النظام السياسي من ينصفهم، وما يقع على الشعوب من انتهاكات تقوم بها الحكومات.النظام لديه أجهزته التي يفرض بها سيادته، لكن الشعب ليس لديه هذه الأجهزة. المؤسسات الحقوقية عليها أن تقوم بهذا الدور الراصد.  النظام له اليد الطولى في المجتمع وهو قادر على محاسبة الجناة في حال ثبت تورطهم.

هو لديه آلته العسكرية والأمنية والقانونية والاعلامية كلها تتحرك وفق إرادته وإشارته، فمن يقترف أي خطأ أو جريمة سيعاقب. نحن واجبنا الدفاع عن من ترتكب بحقهم الجرائم دون أن يجدوا من يقاضي الجناة والقتلة، من يعانون الظلم والاستبداد واللاعدالة. قضايا رجال الأمن إن كانت صحيحة فالمتهمون في المحاكم الآن. لكن أكثر من ثلاثين شخصاً قتلوا في الشارع ليس هناك أي إجراء لمقاضاة الجناة أو محاكمتهم. أربعة قتلوا في السجن دون معرفة الأسباب والخلفيات وليس هناك مقاضاة ولا محاكمة.  

■ تاريخ سيء

مرآة: لكن كحقوقي، أليس من واجبك أن تدين أي انتهاك يحدث لأي إنسان حتى قبل أن يحاكم؟

رجب: تجربتنا مع هذا النظام تجعلنا نتأخر في إصدار الادانة. لنا تاريخ معه في نشر التضليل وتزوير الحقائق لذا لا نثق بما يقول سريعاً. نحتاج أن نتأكد أولاً. ولدينا شواهد. ففي ٢٠١٠ كانوا يضغطون علينا باصدار بيان فيما يتعلق بالمتهمين بمحاولة اغتيال رئيس تحرير صحيفة الوطن وإدانتهم. تأخرنا في إصدار بيان من مركز حقوق الإنسان. على الرغم أن الصحف نشرت أن المتهمين قد اعترفوا، بل مثّلوا الحادث أمام الأمن والنيابة العامة. لاحقاً وبعد أربعة شهور، نفى رئيس التحرير أن يكون هؤلاء هم الجناة، كان الأمر فضيحة إعلامية وأخلاقية تجاه هذه الصحف الصفراء التي ادانتهم، وفضيحة لرجال الدين الذي ادانوهم في صلوات الجمعة وللمسئولين الحكوميين كذلك بل لم نر أي منهم يعتذر عن خطئه. كيف ندين طرف غير واثقين من إدانته لصالح طرف غير واثقين من براءته؟  قضية أخرى، كانت قضية قتل الشرطي في كرزكان. طالبونا بإبداء موقف سريع بعد الحادث. نحن تأخرنا لنتأكد. بعد سنة كاملة تبين أن الشرطي لم يتعرض لمحاولة حرق، وأنه مات في حادث كما أوضحت الصحف فيما بعد. باختصار، تاريخ هذه السلطة بالنسبة لنا غير موثوق ورواياتها مشبوهة.  

■ قطع الطرق

مرآة: ألا يُعتبر ما جرى في أحداث ١٤ فبراير من قطع للشوارع وتعطيل الناس من الذهاب لأعمالهم خروج عن السلمية، وكيف تراه من ناحية حقوقية، أعني حق الآخرين في الذهاب لأعمالهم وممارسة حياتهم؟

رجب: المنظمات التي شهدت الأحداث هنا ووكالات الأنباء المختلفة التي توافدت إلى البحرين خلال تلك الفترة، كلها تشهد بسلمية الثورة حتى سميت بثورة الورود. أما بخصوص قطع الشوارع فهو أمر مزعج للقطاع المالي والاقتصادي وهو عمل ممنوع، لكنه لا يعد من الأعمال غير السلمية. من جهة أخرى ينبغي لنا وضع الأمور في مسمياتها الصحيحة وفي إطارها الحقيقي. دعونا نتساءل لماذا فعل الناس تلك الأعمال الممنوعة؟ ومتى حدثت؟ حدثت بعد استخدام الدولة للبلطجية الذين هجموا على الناس بالسيوف وانتشروا في كل مكان وهددوا الناس في القرى والمدن. هناك تصعيد إجرامي ترتب عليه رد فعل قطع الطرق. لا يجوز لنا أن نطرح الأحداث بشكل مجتزأ وكأن هذا ما كان مخططاً له منذ بداية الحركة.  

■ اعتصام السلمانية

مرآة: وماذا عن مستشفى السلمانية الذي تحول إلىما يشبه ساحة اعتصام ثانية؟ كيف ترى ذلك من الناحية الحقوقية؟

رجب: أنا أعتقد أن التظاهرات التي حدثت في مستشفى السلمانية كانت خاطئة. المستشفى يجب أن يحتفظ بكونه مؤسسة مستقلة ولا يجوز انجرافها في الحدث السياسي. هذا أمر مفروغ منه. لكن أيضاً هناك سياق عنيف أدى إلى هذه المخالفة. الناس كانوا يأتون المستشفى متأثرين بما حدث لأبنائهم ولم يكن لديهم مكان آخر يعلنون فيه غضبهم. كان الاعتصام ممنوع في الخارج فلجئوا إلى المستشفى الذي كان ينقل إليه الجرحى. تظاهر الطاقم الطبي والمسعفين أيضاً لم يكن بلا سبب. 

■ صفوي إيراني

مرآة: متهم أنك مدعوم من إيران، ما تعليقك؟

رجب: (يضحك) الغريب أنني التقيت مئات الدبلوماسيين من كل دول العالم، عدا إيران لم يحالفني الحظ أن التقي أي مسؤول فيها، وهذه صدفة. لكن هذا لا يعني أنني لن أتعامل مع مسؤول أو منظمة حقوقية إيرانية فيما لو حدث والتقيت بهما في أي مكان.

مرآة: ما موقفك الحقوقي من طريقة تعامل إيران مع المعارضة، والموقف السوري مع الاحتجاجات الآن؟

رجب: الشعوب لها كامل الحق في تقرير مصيرها واختيار أنظمتها، وأنا مع هذا الحق أينما كان. صحيح أن لإيران وسوريا مواقف إقليمية تجاه القضايا العربية أكثر من باقي الدول، نشكرهم على هذا الموقف، لكن هذا لا يبرر أي انتهاك لحقوق الإنسان تقوم به هذه السلطات. 

■ ثقافة "حارقهم"

مرآة: قبل أيام شُنت حملة على حسابك في تويتر. الحملة تقوم بها حسابات مشبوهة مثل (حارقهم). الحملة تريد غلق موقعك خلال يوم واحد، استمرت أسبوعاً كاملاً من الشحن، لكنها لم تنجح. زاد عدد متابعيك على تويتر أكثر من ٣ آلاف متابع ليصل ما يقارب ٣٤ ألف. كيف تقرأ ما حدث؟

رجب: هذا يدل على أن ثقافة الكراهية التي تحاول هذه الحسابات أن تنشرها بين الناس، هي ثقافة غير مقبولة في مجتمعنا البحريني. ولا تلق لها رواجاً عند إنسان هذا البلد الأصيل ولو حاولت السلطة تضليل الناس وخلق رأي عام مزور. لقد زاد عدد متابعي على تويتر بعد هذه الحملة أكثر من ١٠٪، لتثبت أن ثقافة الكراهية لن تجد لها مكاناً هنا. نحن نحارب الكراهية بالتسامح والعداء بالصداقة والحب، وهذه هي أسلحتنا التي يقبلها كل العالم. وللعلم فإن النظام البحريني من أكثر الأنظمة استخداماً لأدوات التواصل الاجتماعي من أجل تشكيل رأي عام وهمي لا يعبر عن رأي الشارع الحقيقي. هذه الحسابات يديرها مسؤولون ومخابراتيون من أجل تزييف الحقائق، ومن أجل إشعال الفتنة والكراهية بين الشارعين، لكن أصالة الإنسان البحريني لهم بالمرصاد.  

التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus